5 نوفمبر 2026 22:22 24 جمادى أول 1448
دنيا المال
رئيس التحرير إيهاب عبد الجواد
مقالات

المسؤولية القانونية في الهيئات الرياضية.. متى يُحاسب النادي ومتى يُسأل المسؤول بشخصه؟

دنيا المال

بقلم : شريف شكري
المحامى بالاستئناف العالي ومجلس الدولة.


إذا وقع حادث داخل أحد الأندية الرياضية، أو تعرض أحد أعضائه لإصابة نتيجة إهمال في إجراءات السلامة، أو ترتبت خسائر مالية على قرار إداري خاطئ، يبرز سؤال قانوني مهم: من يتحمل المسؤولية عن الضرر؟ هل هو النادي باعتباره شخصًا اعتباريًا مستقلًا، أم الموظف الذي ارتكب الخطأ، أم المسؤول الإداري الذي أصدر القرار؟

لا تقتصر أهمية هذا السؤال على تحديد الطرف الذي يتحمل التعويض، بل تمتد إلى فهم الحدود الفاصلة بين المسؤولية القانونية للهيئة الرياضية ومسؤولية الأشخاص الطبيعيين الذين يتولون إدارتها أو يعملون لديها. وهي مسألة تكتسب أهمية خاصة في ظل اتساع الأنشطة الرياضية وتعدد المنشآت والخدمات التي تقدمها الأندية، وما يصاحبها من التزامات إدارية ومالية وفنية تتطلب قدرًا كبيرًا من الرقابة والانضباط.

ولفهم هذه المسألة، ينبغي التمييز بين ثلاثة مستويات من المسؤولية: مسؤولية الهيئة الرياضية باعتبارها شخصًا اعتباريًا، ومسؤوليتها عن الأضرار التي يتسبب فيها العاملون لديها، ثم المسؤولية الشخصية التي قد تقع على عاتق المسؤول أو عضو مجلس الإدارة نتيجة أفعاله أو قراراته.

أولًا: مسؤولية النادي بصفته شخصًا اعتباريًا

يتمتع النادي أو الهيئة الرياضية، متى اكتسب الشخصية الاعتبارية وفقًا للقانون، بذمة مالية مستقلة عن الذمم المالية للأشخاص الطبيعيين الذين يتولون إدارته. وبناءً على ذلك، فإن اختصام رئيس مجلس الإدارة بصفته الممثل القانوني للنادي لا يعني بالضرورة اختصامه بشخصه، وإنما يكون الخصم الحقيقي هو الهيئة الرياضية التي يمثلها أمام القضاء.

ويترتب على هذا التمييز أن الالتزامات المالية والأحكام الصادرة في مواجهة النادي بصفته تتحملها، من حيث الأصل، أموال الهيئة وذمتها المالية، وليس الأموال الشخصية لرئيس مجلس الإدارة أو أعضاء المجلس لمجرد شغلهم تلك المناصب.

ومن الأمثلة العملية على ذلك الدعاوى التي تُرفع ضد النادي للمطالبة بمستحقات مالية للاعب أو مدرب، أو المطالبة بتنفيذ التزام تعاقدي أو فسخ عقد أبرمته الهيئة الرياضية.

وهنا يجب التأكيد على أن التمثيل القانوني للنادي يختلف تمامًا عن المسؤولية الشخصية لمن يتولى إدارته؛ فمجرد توقيع المسؤول على عقد أو تمثيله للنادي في خصومة قضائية لا يجعله مدينًا شخصيًا بالالتزامات الناشئة عنها.

ثانيًا: مسؤولية النادي عن أخطاء العاملين لديه

قد يقع الضرر نتيجة إهمال أحد العاملين بالنادي أو تقصيره في أداء مهامه، وهنا تبرز صورة أخرى من المسؤولية، وهي مسؤولية المتبوع عن أعمال تابعه، التي نظمها القانون المدني المصري في المادة 174.

فوفقًا لهذه المادة، يكون المتبوع مسؤولًا عن الضرر الذي يحدثه تابعه بعمله غير المشروع، متى وقع ذلك أثناء تأدية الوظيفة أو بسببها، وتقوم علاقة التبعية متى كانت للمتبوع سلطة فعلية في رقابة التابع وتوجيهه.

وبتطبيق ذلك على المجال الرياضي، قد يسأل النادي عن الأضرار التي يتسبب فيها أحد العاملين لديه أثناء أداء مهامه أو بسببها، متى توافرت الشروط القانونية للمسؤولية.

فإذا تسبب إهمال منقذ حمام السباحة في إصابة أحد الأطفال أو وفاته، أو أدى تقصير المسؤول عن صيانة الأجهزة الرياضية إلى إصابة أحد الأعضاء، فقد تقوم مسؤولية النادي عن الضرر باعتباره متبوعًا، دون أن يمنع ذلك من مساءلة الموظف نفسه وفقًا للقواعد القانونية المنطبقة على الواقعة.

ويهدف هذا التنظيم إلى حماية المضرور، فلا يُترك وحده في مواجهة العامل الذي ارتكب الخطأ، بل يجوز له الرجوع على المتبوع للمطالبة بالتعويض متى توافرت شروط المسؤولية. وفي المقابل، يقرر القانون في المادة 175 حق المسؤول عن عمل الغير في الرجوع على محدث الضرر، في الحدود التي يكون فيها الأخير مسؤولًا عن التعويض.

وبذلك، لا تعني مسؤولية النادي بالضرورة إعفاء الموظف من المسؤولية، وإنما قد تجتمع المسؤوليتان وفقًا لطبيعة الواقعة وأحكام القانون.

ثالثًا: المسؤولية الشخصية لرئيس مجلس الإدارة أو المسؤول الرياضي

تختلف المسؤولية الشخصية عن المسؤولية التي يتحملها النادي بصفته، إذ قد تتجاوز المساءلة حدود الصفة الوظيفية لتطال الشخص الطبيعي نفسه، سواء من الناحية المدنية أو الجنائية، بحسب طبيعة الفعل المرتكب.

فإذا ارتكب رئيس مجلس الإدارة أو أحد أعضائه أو أحد المسؤولين التنفيذيين فعلًا غير مشروع ترتب عليه ضرر، أو أصدر قرارًا يجاوز اختصاصاته أو يخالف القانون واللوائح على نحو يرتب مسؤوليته، فقد تنشأ مسؤوليته الشخصية متى توافرت أركانها وشروطها القانونية.

وتزداد أهمية هذه المسألة في ضوء المادة 21 من قانون الرياضة رقم 71 لسنة 2017 وتعديلاته، التي تقرر مسؤولية أعضاء مجلس الإدارة والمدير التنفيذي والمدير المالي عن القرارات التي يصدرونها إذا كان من شأنها الإضرار بأموال الهيئة الرياضية، وذلك دون إخلال بالمسؤولية الجنائية.

ومن ثم، لا يجوز افتراض أن الصفة الإدارية توفر حصانة مطلقة من المساءلة، كما لا يصح في المقابل اعتبار كل قرار خاطئ سببًا تلقائيًا للمسؤولية الشخصية؛ إذ يتعين النظر إلى طبيعة القرار، واختصاص من أصدره، ومدى مخالفته للقانون أو اللوائح، والضرر الذي ترتب عليه، ومدى توافر شروط المسؤولية وفقًا للقواعد واجبة التطبيق.

وتظهر صور هذه المسؤولية، على سبيل المثال، في التصرفات التي تنطوي على اعتداء على أموال الهيئة أو الإضرار العمدي بها، أو ارتكاب جرائم التزوير أو الاستيلاء، وكذلك القرارات التي يترتب عليها الإضرار بأموال النادي في الحدود التي يقررها القانون.

وفي هذا السياق، ينبغي التمييز بين المسؤولية المدنية عن تعويض الضرر والمسؤولية الجنائية عن ارتكاب جريمة؛ فلكل منهما أساسها وشروطها وآثارها، ولا يجوز الخلط بين التعويض المدني والغرامة الجنائية أو افتراض أن كليهما يُسدد من الذمة المالية ذاتها.

الحوكمة والرقابة.. خط الدفاع الأول عن الهيئات الرياضية

إن إدارة الهيئات الرياضية لا تقتصر على تحقيق البطولات والإنجازات أو تنظيم الأنشطة والخدمات، بل تمتد إلى مسؤولية قانونية وإدارية تفرض ضرورة الالتزام بقواعد الحوكمة والرقابة الداخلية، ووضع نظم واضحة لتوزيع الاختصاصات، ومتابعة أداء العاملين، والتأكد من تطبيق معايير السلامة والصيانة الدورية للمنشآت والأجهزة الرياضية.

فالنادي الذي لا يضع آليات فعالة للرقابة والإشراف قد يجد نفسه مسؤولًا عن أضرار كان من الممكن تفاديها بإجراءات وقائية بسيطة، كما أن غياب ضوابط اتخاذ القرار وتوثيقه قد يعرّض أعضاء مجلس الإدارة والمسؤولين التنفيذيين للمساءلة عن قراراتهم متى توافرت شروطها القانونية.

وفي النهاية، فإن التمييز بين مسؤولية النادي ومسؤولية الموظف والمسؤول الإداري ليس مجرد تفصيل قانوني، بل هو أساس لتحقيق التوازن بين حماية حقوق الأعضاء والمتعاملين مع الهيئات الرياضية من جهة، وضمان عدم تحميل المسؤولين تبعات شخصية لمجرد شغلهم مناصب إدارية من جهة أخرى.

فالمسؤولية في المجال الرياضي لا تتحدد بالمنصب وحده، وإنما بطبيعة الفعل، وحدود الاختصاص، ومدى توافر الخطأ والضرر وعلاقة السببية، والقواعد القانونية المنظمة لكل حالة.

فالمنصب الإداري يمنح صاحبه سلطة في اتخاذ القرار، لكنه لا يعفيه من المسؤولية عن إساءة استعمال هذه السلطة أو مخالفة الالتزامات التي يفرضها القانون.

المسؤولية القانونية في الهيئات الرياضية النادي دنيا المال
⇧