محمد قاياتي.. رفيق الدرب والحكايات التي لم تكتمل
بقلم :وائل ربيع
يا رفيق العمر، كيف أرثيك وأنا الذي اعتدت أن أكتب معك لا عنك؟ كنا معاً نطارد الحكاية خلف الوجوه، ونبحث عن الحقيقة التي تستحق أن تُروى.
واليوم أفتش عن صوتك بين أصداء الأيام، فلا أجد إلا وجع الغياب وذاكرة تأبى أن تصدق الرحيل.
أتذكر البدايات؟ أيام الثورة، حين كنا نجوب الميادين والشوارع تشتعل بالهتاف، والجدران تحمل آثار الحريق والشعارات. كنا نركض خلف الخبر، والكاميرا في أيدينا تحاول أن تقول ما تعجز عنه الكلمات.
وكيف نسينا سعادتنا حين انحاز الجيش للشعب، ومصر كلها واقفة على حافة الأمل والخوف تبحث عن طريقها؟ هناك تشكلت حكايتنا، ولم ندرِ أن تلك الأيام ستمنحنا زاداً يكفي عمراً كاملاً.
ثم جاءت محطة قناة "النهار".. بعد الثورة مباشرة، بدأنا شقاً جديداً من الرحلة.. تقارير واستقصاءات، ملفات شائكة وأبواب مغلقة فتحناها، لا لأنها وظيفة، بل لأننا آمنا أن الصحافة رسالة وأمانة.
كنا نخرج إلى الشارع محملين بالأسئلة ونعود إلى غرف المونتاج مثقلين بالصور والحكايات، حتى تخرج الحقيقة للناس شاهدة.
وكانت التجربة الأثرى مع الأستاذين مصطفى ومحمود بكري في " صدى البلد" وبرنامج "حقائق وأسرار". هناك لم نكن مجرد زملاء في فريق، بل شركاء في كل شيء.
تشاركنا الأفكار والقلق والنجاح، وتشاركنا رئاسة التحرير.. وما رأيتك يوماً تغار أو تحقد.. لم يضق صدرك بنجاح زميل، ولم تسعَ لتكون وحدك في الصورة.. كنت تؤمن أن العمل الجماعي وحده هو ما يبقى.
كنت السند الذي يتقدم حين يجب أن يتحمل المسئولية، ويتراجع حين يجب أن يمنح غيره الفرصة، بلا انتظار ثناء ولا بحث عن مجد... قلبك كان أكبر من المنافسة، وروحك أنقى من الحسابات الصغيرة.
لهذا أحبك من عرفك.. لأنك كنت تعلم أن اختلاف العمل لا يفسد للود قضية، وأننا إخوة قبل أن نكون زملاء.
وأوجاعك يا محمد.. كم كنت تقاومها صامتاً.. جلطات متتالية، وقلب تراجعت كفاءته إلى حد مخيف، ومع ذلك لم تنطفئ رغبتك في العمل.
جسدك كان يطلب الراحة وروحك ترفض الغياب.. تبتسم لنا وتخفي الألم خلف ابتسامة هادئة، حتى لا نشعر أنك تتألم.
واليوم أدرك كم كانت معركتك قاسية بعيداً عن أعيننا.

أتتذكر رحلاتنا؟ من غزل المحلة بوجوه عمالها المتعبة وأياديها التي تعرف قيمة العمل، إلى بورسعيد برجال مقاومتها الشعبية الذين صنعوا من الصمود أسطورة، إلى السويس وفدائييها الذين كتبوا ببطولاتهم صفحات العزة.
سافرنا إلى أسوان، التقينا بأبناء النوبة وحكاياتهم الأصيلة، وإلى سيوة التي ابتعدنا إليها أكثر من ألف كيلومتر لنكتشف عالماً آخر بدفء الانتماء.
كانت المسافات طويلة، لكن صحبتك كانت تقصّر الطريق وتُهوّن التعب.. بعض اللحظات بقيت في الصور، وبعضها ظل حبيس القلوب.
فاكر مقهى الباب العالي؟ جلساتنا التي لا تنتهي، وسمرنا مع مصطفى عزت ومختار العسكري، نناقش ونختلف ويعلو الصوت، ثم نعود للضحك كأن شيئاً لم يكن.. مناكفتك لنصر هيكل حين يلقي شعره، وتشجيعك الأسبوعي لنوران، بنوتة البرنامج، وضحكات أحمد عبد الرحيم وبهاء بكري على نكاتك، وجدالك مع أحمد حسام حين يتشبث برأيه.
كان بيننا شد وجذب، لكن أرضيتنا كانت ثابتة لا تهتز.
وما أجمل استراحاتنا على موائد اليمن وحضرموت، ودعوتك الكريمة لنا في الفيوم، مسقط رأسك.
لم تكن مجرد صاحب بيت، بل صاحب قلب يفتح أبوابه قبل أن تمتد الأيدي للطعام.
هناك رأينا محمد الإنسان بعيداً عن ضغط رئاسة التحرير.
أتذكر ليالي المونتاج الطويلة حتى الفجر؟ نعيد المشاهد ونحذف ونضيف ونختلف على لقطة أو كلمة، حتى يخرج فيلمنا "بورسعيد.. المدينة الباسلة" و"السويس التي لا تُهزم".
لم يكن الفجر موعداً للنوم، بل موعداً لانتصار صغير بعد سهر طويل.
ثم جاء الأمس.. كنت معنا في حلقة "حقائق وأسرار" كعادتك، انتهت الحلقة وانفض العمل وظننت أن غداً سيأتي لنلتقي من جديد.. حتى أخبرني مصطفى عزت بخبر رحيلك عن دنيانا.
كلمات قليلة هدمت عالماً كاملاً من الذكريات.
كيف لخبر عابر أن ينزل على القلب كالصاعقة؟
كيف رحلت بهذه السرعة يا محمد؟ بالأمس كنت بيننا، واليوم أصبحت ذكرى موجعة.
والمؤلم ليس الرحيل وحده، بل الأماكن التي اعتادت وجودك، والأحاديث التي ظننا أنها ستتكرر، والخطط المؤجلة.
لقد رحلت وتركت ما هو أبقى من الغياب.. سيرة إنسان أحب عمله وأخلص لرسالته وصان زمالته.
علمتنا دون كتب أن النجاح لا يحتاج خصومة، وأن القيادة لا تعني الاستعلاء، وأن المرء يمكن أن يترك أثراً عظيماً دون ضجيج.
ستستمر الحلقات وتُنجز التقارير وتدور الكاميرات، فتلك هي الحياة.. لكن شيئاً لن يعود كما كان.. سيبقى في كل رحلة شيء منك، وفي كل تقرير لمحة من جهدك، وفي كل جلسة صدى لصوتك.
نم قرير العين يا محمد.. لم تكن مجرد زميل، بل أخ اقتسم معنا تعب الأيام وفرح الإنجاز.
سأظل أراك في شوارع مشيناها، ووجوه قابلناها، وفي أسوان وسيوة وبورسعيد والسويس.. ومحافظات مصر قاطبة.
جئت من بلدتك الفيوم إلى القاهرة لنلتقيك .. واليوم عدنا بك إليها مرة أخرى لتستقر حيث مثواك الأخير.. يوم مشهدك الأخير الذى كان استفتاء حقيقيا على محبة الناس لك.
رحمك الله يا أبا عمر، أبا نور، أبا ليلى، صغارك الذين أقسموا بحنانك، يا طيب القلب ونقي السريرة.
اللهم أنر قبره وآنس وحشته واجعل ما قدمه في ميزان حسناته، واربط على قلوب أهله ومحبيه.
وداعاً يا رفيق الرحلة التي لم يرد لها أن تنتهي..
سلام على روحك يوم جئت، ويوم رحلت، ويوم نلتقى في دار لا فراق فيها.















