دكتور أشرف الشرقاوي يكتب : تزييف الوعي والراية المزيفة
بعد نحو خمس دقائق فقط من تفجير طائرة مسيّرة لناقلة غاز أمريكية في ميناء دمياط المصري، صرّح الرئيس الأمريكي بأن أصابع إيران تقف وراء الانفجار. وفي اليوم نفسه، نقلت صحيفة نيويورك تايمز عن مصادر إيرانية حُجبت هويتها، ونقلت صحيفة وول ستريت جورنال عن مصادر مصرية حُجبت هويتها أيضاً، اتهامات مماثلة لطهران. وفي المقابل، أصدرت هيئة الاستعلامات المصرية بياناً حثت فيه المراسلين على تحري الدقة ونقل الأخبار عن مصادر مصرية حقيقية، وناشَدت المصريين عدم التسرع في الاستنتاجات.
يثير البيان المصري- الذي يبدو منه إنكار صحة هذه الأخيار- سؤالاً حاسماً: هل نحن أمام هجوم حقيقي، أم عملية راية مزيفة ارتكبها جهاز مخابرات دولة ما ليلصقها بإيران، وتهدف إلى جرّ مصر إلى حرب ضد إيران؟
ليس معنى التريث الملحوظ للأجهزة الأمنية المصرية والتصريحات الرسمية الحذرة بالضرورة غياب المعلومات الدقيقة لدى القاهرة، بل إنهما ربما يرتبطان بحسابات استراتيجية عديدة، منها:
1. استكمال التحقيقات الفنية والجنائية: (وتتضمن تحليل مسار طيران المسيرة، وفحص الشظايا، وتحديد نقطة الإطلاق)- وهي عملية تتطلب وقتاً تقنياً لاستكمال كافة الإجراءات.
2. التبعات الدبلوماسية: حيث لا يمكن التراجع عن أي اتهام رسمي مباشر، لأن الاتهام تترتب عليه تبعات سياسية وقانونية لا يمكن التراجع عنها بسهولة.
5. سياسة ضبط النفس المصرية: تضمن هذه السياسة تجنب الانخراط المباشر في مواجهات عسكرية إقليمية مفتوحة لا تخدم المصالح الوطنية.
8. حساسية الموقع: قد يؤدي أي تصريح غير محسوب إلى ارتفاع فوري في أقساط التأمين البحري وإرباك حركة الملاحة في حوض البحر الأبيض المتوسط، وذلك نظرا لأن الحادث وقع في منطقة قريبة نسبيا من قناة السويس.
لماذا تُعتبر فرضية الراية المزيفة من السيناريوهات المطروحةً؟
توجد عدة مؤشرات تجعل هذا السيناريو ممكناً من الناحية النظرية، من بينها:
1. الاستعجال الأمريكي في توجيه الاتهام: فقد سارعت واشنطن إلى إلصاق التهمة بإيران فور وقوع الحادثة، وهو تكتيك مألوف لتثبيت الرواية الأولى (Framing) وتوجيه الرأي العام قبل ظهور روايات بديلة. ويهدف هذا التكتيك الى تزييف وعي الجمهور المتلقي نفسه بطبيعة الحادث، بحيث يصبح من الممكن لاحقا الاستشهاد به على دور العناصر التي تم توجيه الاتهام اليها في زعزعة الاستقرار حتى لو لم يثبت ارتكابها للحادث.
2. عقيدة "الردع العلني" الإيرانية: عندما تنفذ إيران أو حلفاؤها عملية ما (كما حدث في ضرب قاعدة "عين الأسد" أو استهداف السفن في البحر الأحمر)، فإنها تحرص عادةً على تبنيها أو التلميح الصريح بمسئوليتها عنها. فالهدف الرئيسي لإيران هو إرسال رسالة ردع واضحة، وليس تنفيذ عملية صامتة داخل ميناء سيادي لدولة محايدة تربطها بها علاقات دبلوماسية؛ إذ إن القيام بذلك يعرّض إيران لعزلة سياسية دون أن تكسب أي "نقاط ردع" ضد واشنطن.
3. سابقة تاريخية مُثبتة: وهي "فضيحة لافون" (المعروفة اسرائيليا باسم "عملية سوزانا")، والتي جرت عام 1954، عندما زرعت الاستخبارات الإسرائيلية قنابل في منشآت ومراكز ثقافية أمريكية وبريطانية ودور سينما مصرية في القاهرة والإسكندرية، بهدف إلقاء اللائمة على مصر وإفساد علاقاتها مع الغرب. وقد اعترفت إسرائيل بهذه العملية رسمياً في عام 2005، وهو ما يثبت أن استهداف المصالح الغربية على الأراضي المصرية لتوجيه السلوك السياسي أو العسكري ليس مجرد "نظرية مؤامرة"، بل هو أداة استخباراتية مُجرّبة تاريخياً في المنطقة.
كيف يمكن كشف الحقيقة؟
لتحديد ما إذا كانت العملية راية مزيفة أم هجوماً حقيقياً، تعتمد الأجهزة الأمنية على تقاطع ثلاثة مستويات من الأدلة الفنية الصلبة:
1. الأدلة الجنائية والمادية: وتتضمن فحص حطام المسيرة (مكونات المحرك، والأرقام التسلسلية، والبصمة الكيميائية للمتفجرات) لتحديد الجهة المصنّعة ونقطة الإطلاق التقديرية عبر حساب المدى واستهلاك الوقود.
2. الأثر الرقمي والإلكتروني: فحص ترددات التوجيه، ومسار الطيران المخزن في ذاكرة المسيرة، وبيانات الرادار لتحديد نقطة الإطلاق الدقيقة (سواء كانت من البر أو البحر).
3. الاستخبارات البحرية واللوجستية: تتبع حركة السفن في المنطقة وقت الحادث، وتحديد السفن التي أوقفت أجهزة التتبع الخاص بها ("السفن الشبح")، والتي يمكن أن تكون المسيرة قد انطلقت منها، واعتراض أي اتصالات مشبوهة مرتبطة بالعملية.
عندما تتطابق هذه المستويات الثلاثة وتؤدي إلى اتهام جهة تختلف عن التي تشير إليها الرواية الإعلامية السائدة، تكتسب فرضية "الراية المزيفة" وزناً كبيراً. وعندها توضع القيادة السياسية أمام خيارين: إما إعلان الأدلة علناً لإحراج الطرف المنفذ، أو استخدامها في الكواليس الدبلوماسية كأوراق ضغط استراتيجية. بالطبع في حالة الرغبة في اعلان الحقيقة تعلن جهات التحقيق نتيجة كل هذه الفحوص، وتوص كيف تشير اصابع الاتهام لجهة معينة، بينما في حالات اخرى تخفي النتائج اما للتفاوض مع الجهة المسئولة سرا او لتعمد توجيه الاتهام لجهة اخرى دون اعلان الدليل، او لترك الاتهام يوجه من جهات دولية لجهات اخرى دون دليل.
واخيرا، تعكس إدارة الأزمة بحذر من قبل مصر سعيا مصريا واعيا لتجنب الانجراف خلف الاتهامات المتسارعة، ولمنع تحول أراضيها وموانئها إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية. ربما يكون من شأن السوابق التاريخية (مثل فضيحة لافون) والدوافع الاستراتيجية للأطراف المعنية أن تجعل من سيناريو "الراية المزيفة" خياراً قوياً من الناحية النظرية. ومع ذلك، يظل الحكم النهائي مرهوناً بالأدلة الفنية التي قد تظهر في الأيام القادمة، ويمكن ان تعلن النتيجة أو تظل سرية وفقاً لما تقتضيه المصالح القومية العليا لمصر














