9 مارس 2026 20:05 20 رمضان 1447
دنيا المال
رئيس التحرير إيهاب عبد الجواد
مقالات

بوصلة مكسورة في مياه خطرة .. أزمة النقل البحري بين جنون السياسة وعجز القانون الدولي

دنيا المال


بقلم: الأستاذ/ كريم ساري - المحام


لم تعد أجهزة الملاحة التقليدية تكفي لتوجيه السفن التجارية عبر مياه الشرق الأوسط، فاليوم يحتاج قبطان أي ناقلة عملاقة تعبر مضيقي هرمز أو باب المندب إلى ما هو أكثر تعقيدًا من مجرد إحداثيات بحرية، إنه يحتاج إلى بوليصة تأمين ضد أخطار الحروب بملايين الدولارات، وقراءة دقيقة لمسارات الطائرات المُسيّرة والصواريخ الباليستية المتبادلة في سماء المنطقة.
فتحت وطأة التصعيد العسكري غير المسبوق بين إيران وحلفائها من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، تحولت أهم شرايين التجارة العالمية إلى رقعة شطرنج جيوسياسية تُحرك فيها الأطراف المتصارعة قطعها العسكرية على حساب أمن الملاحة الحرة، وفي قلب هذه المياه الخطرة، تقف قواعد القانون الدولي البحري كبوصلة مكسورة، عاجزة عن ضبط إيقاع الجنون السياسي أو حماية السفن المدنية، لتدفع خطوط الإمداد العالمية والاقتصاد الدولي فاتورة صراعٍ يبدو أن لغة المدافع فيه قد أسكتت نصوص المعاهدات والمبادئ الدولية المستقرة.
أوردة التجارة تحت الحصار
من المعقول أنه لا يمكن فهم حجم الكارثة دون النظر إلى الخريطة. فالصراع يتركز حول أهم الاختناقات البحرية في العالم، مضيق هرمز الذي يمر عبره نحو 20% من استهلاك النفط العالمي المدخل الوحيد لمياه الخليج العربي، ومضيق باب المندب والبحر الأحمر اللذين يربطان آسيا بأوروبا.
حيث إنه ومع تبادل الضربات واستهداف السفن المرتبطة بأطراف النزاع، اضطرت كبرى شركات الشحن إلى تحويل مسار سفنها نحو طريق رأس الرجاء الصالح، مما ضاعف من تكاليف النقل، وأربك سلاسل الإمداد العالمية، ورفع رسوم التأمين ضد المخاطر إلى مستويات قياسية.
فمع توالي الهجمات والضربات لم يكن رد الفعل الأسرع من الجيوش، بل جاء من أسواق التأمين في لندن بالمملكة المتحدة، حيث سارعت لجنة الحرب المشتركة (JWC) التابعة لسوق لويدز (Lloyd's) في لندن إلى توسيع وتحديث تصنيف مياه البحر الأحمر وخليج عدن والخليج العربي كمناطق عالية الخطورة.
فبموجب هذا التصنيف، تلتزم السفن المارة بإخطار شركات التأمين مسبقًا، ودفع أقساط إضافية لتغطية مخاطر الحرب، فهذه الأقساط قفزت من أقل من 0.01% من قيمة السفينة قبل الأزمة، لتتجاوز في بعض الأحيان 1% إلى 2% للسفن المرتبطة بالدول أطراف النزاع، وهذا يمثل بالنسبة لسفينة تجارية ضخمة مئات الآلاف من الدولارات كرسوم إضافية للرحلة الواحدة، والأكثر من ذلك أنه وصلت تداعيات الصراع إلى حد قيام بعض نوادي الحماية والتعويض برفض توفير التغطية التأمينية للسفن التي تحمل ملكية إسرائيلية أو أمريكية أو بريطانية أو تلك المتجهة إلى موانئ معينة، مما يُعد شللًا قانونيًا وتجاريًا لحرية الملاحة.
القانون الدولي البحري على المحك
من وجهة نظر القانون الدولي، وتحديدًا اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982 (UNCLOS)، فإن ما يحدث يمثل زلزالاً قانونياً يهدد المبادئ المستقرة منذ عقود، فالاتفاقية تكفل للسفن التجارية والحربية حق المرور العابر في المضايق المستخدمة للملاحة الدولية مثل مضيق هرمز ومضيق باب المندب دون عراقيل، وإغلاق هذه المضايق أو التهديد المنهجي للسفن المارة فيها يُعد انتهاكًا صريحًا لهذا الحق الأساسي، ليس هذا فحسب، بل تتمتع جميع الدول بحرية الملاحة في أعالي البحار والمناطق الاقتصادية الخالصة، وتحويل هذه المناطق إلى حقول ألغام بحرية أو مناطق استهداف عشوائي ينسف هذا المبدأ من جذوره.
ويبقى السؤال الأهم استهداف السفن التجارية جريمة حرب أم ضرورة عسكرية؟
تُعد حماية السفن التجارية وقت النزاعات المسلحة من أعقد القضايا القانونية، ووفقًا لدليل سان ريمو بشأن القانون الدولي المطبق في النزاعات المسلحة في البحار (1994)، فإن المبدأ العام ينص على أن السفن التجارية تتمتع بالحصانة ولا يجوز استهدافها أو إغراقها بشكل مباشر سواء التي ترفع علم دولة محايدة أو تلك التي ترفع حتى علم دولة معادية.
ولا يُشكل هذا المبدأ قيدًا مطلقًا لا يجوز نقضه ومخالفته، بل قد تفقد السفينة حصانتها إذا كانت تساهم بشكل فعّال في المجهود العسكري مثل نقل قوات أو أسلحة للعدو، أو إذا رفضت الامتثال لأوامر التفتيش، أو إذا كانت مندمجة في شبكة الاستخبارات لدولة معادية.
إن قيام أي طرف من أطراف النزاع باستهداف سفن تجارية مدنية لمجرد ارتباطها بملكية أو إدارة تابعة لدولة معادية -دون أن تشكل تهديدًا عسكريًا مباشرًا- يُصنف قانونيًا كجريمة حرب وانتهاك جسيم للقانون الدولي الإنساني.
حق الدفاع الشرعي وتصاعد عسكرة البحار
تستند الولايات المتحدة والكيان الصهيوني في تحركاتهما العسكرية في المنطقة إلى ادعاءات واهية، لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تجد لها مبررًا مشروعًا في القانون الدولي، هادفين من ذلك إعادة تقسيم الشرق الأوسط وفقًا لمخطط إسرائيل الكبرى وإن ادعوا خلاف ذلك، وفي المقابل، تبرر إيران وحلفاؤها في المنطقة عملياتهم كجزء من الردع العسكري والدفاع عن مصالحهم استنادًا لنص المادة (51) من ميثاق الأمم المتحدة، الذي يكفل حق الدفاع الشرعي الفردي أو الجماعي.
ومع ذلك، فإن حق الدفاع الشرعي ليس رخصة مفتوحة؛ بل تحكمه مبادئ الضرورة والتناسب، وهو المبدأ الذي لطالما استقرت وتواترت عليه أحكام محكمة العدل الدولية، ولسنا في معرض لعرض تلك القضايا، لكن نذكر كمثال منها، القضيتين التين تورطت فيهما الولايات المتحدة الأمريكية:
القضية الأولى: قضية الأنشطة العسكرية وشبه العسكرية (نيكاراغوا ضد الولايات المتحدة) – 1986
القضية الثانية: قضية المنصات النفطية (جمهورية إيران الإسلامية ضد الولايات المتحدة الأمريكية) - 2003
فالعسكرة المفرطة للممرات الملاحية وتسيير دوريات حربية ضخمة يخلق بيئة قابلة للاشتعال لأتفه الأسباب، ويضعف من فاعلية القواعد القانونية المنظمة للبحار.
هل يسقط القانون أمام القوة؟
تكشف أزمة النقل البحري الحالية في ظل الصراع الإيراني-الأمريكي-الإسرائيلي عن هشاشة النظام القانوني الدولي عندما تتصادم مصالح القوى الكبرى والإقليمية، فرغم وضوح نصوص اتفاقية قانون البحار وقواعد الاشتباك البحري، إلا أن غياب آليات التنفيذ الرادعة يجعل هذه القوانين مجرد حبر على ورق أمام لغة القوة، فحماية النقل البحري لا تتطلب فقط نصوصًا قانونية محكمة الصياغة، بل تتطلب إرادة سياسية دولية لضمان تحييد شرايين التجارة العالمية عن الحسابات العسكرية، وإلا فإن ثمن هذه الفوضى سيدفعه الاقتصاد العالمي بأسره لعقود قادمة.
وفي نهاية المطاف، لا يمكن قراءة خريطة هذا الصراع البحري المعقد دون التوقف عند نقطة الارتكاز الأهم في المنطقة "مصر"، فبينما تتطاير الصواريخ في مضيق باب المندب وتتلاعب القوى المتصارعة بنصوص القانون الدولي، تدفع قناة السويس -ومعها الاقتصاد المصري- ضريبة باهظة لصراع لا ناقة للقاهرة فيه ولا جمل.
فالتراجع الحاد في حركة عبور السفن وتأثر إيرادات القناة، نتيجة لجوء شركات الشحن إلى طريق رأس الرجاء الصالح الأكثر كلفةً هربًا من جحيم البحر الأحمر، يُثبت بما لا يدع مجالًا للشك أن أمن الممرات المائية وحدة جغرافية واقتصادية لا تتجزأ، فبموجب اتفاقية القسطنطينية (1888) والقانون الدولي، تظل قناة السويس ممرًا آمنًا ومحايدًا للتجارة العالمية، لكن عسكرة المداخل الجنوبية للبحر الأحمر تفرغ هذا الأمن من مضمونه الفعلي.
ومادامت البوصلة المكسورة للقانون الدولي عاجزة عن فرض قوة الردع وحماية حرية الملاحة في المضايق المشتعلة، فإن شرايين التجارة العالمية، وفي القلب منها قناة السويس، ستبقى تنزف اقتصاديًا.
ولذلك فإن إنفاذ القانون الدولي البحري اليوم لم يعد مجرد ترف أو نقاش أكاديمي بين أهل القانون، بل هو ضرورة وجودية لحماية استقرار دول محورية مثل مصر، والضمانة الوحيدة لعدم اختناق الاقتصاد العالمي بأسره في مياه الشرق الأوسط الخطرة.

قانون دولي .. السفن .. البحار .. التأمين