يوسوكي ياما أوكا ” الكاروتا ” جسر للتواصل بين الحضارة المصرية واليابانية
لم يأتِ يوسوكي إلى القاهرة ليعلم الحروف فحسب، بل جاء ليحكي قصة وطنٍ يسكن في قصيدة، وليكتشف أن ضفاف النيل يمكنها أن تحتضن إيقاع أرض الشمس المشرقة بذات الدفء والشغف.
في نادي 'كايرو كاروتا'، لم تكن المباراة مجرد سرعة يد، بل كانت تلاقي أرواحٍ وجدت في التنافس لغةً مشتركة، وفي الصداقة وطناً بديلاً.
"اسمي يوسوكي ياماأوكا جئتُ إلى القاهرة مستشاراً لتعليم اللغة اليابانية، لكنني أحمل في حقيبتي ما هو أثمن من مجرد قواعد اللغة؛ أحمل 'الكاروتا'، اللعبة التي شكلت وجداني منذ الصغر.

'الكاروتا' ليست مجرد بطاقات ملونة، بل هي تراث حي يعود لمئات السنين، وتحديداً مجموعة 'هياكونين إيشو' التي تضم مائة قصيدة لمائة شاعر قديم.
اللعبة تتطلب ذاكرة حديدية وسرعة بديهة خاطفة، فعلى اللاعب أن يحفظ مائة قصيدة عن ظهر قلب، ليلتقط شطرها المتمم فور سماعه للكلمات الأولى.
إنها رياضة لتدريب القوة الذهنية والبدنية في الوقت نفسه.
عندما قررتُ تأسيس نادي 'كايرو كاروتا' كأول نادٍ من نوعه في أفريقيا، كنتُ متشككاً.
سألتُ نفسي: '"هل سيصبر المصريون على تعقيد هذه القصائد اليابانية القديمة وصعوبة قواعد اللعبة؟".
بدأت الفكرة بركن صغير في جامعة عين شمس، ولدهشتي العارمة، رأيتُ في عيون الطلاب المصريين شغفاً لم أتوقعه.
لم يبحثوا عن التسلية فحسب، بل أرادوا التحدي، أرادوا أن يغوصوا في فلسفة القصائد وتنافسية اللعبة.
لقد واجهتني تحديات لوجستية، فممارسة الكاروتا تتطلب حصائر "التاتامي'" التقليدية، ووجدتها أخيراً في مؤسسة اليابان، وهناك بدأت الرحلة.
كان هدفي في البداية مجرد التعريف باللعبة، لكنني اليوم أرى فريقاً مصرياً مثل بلده في كأس العالم للكاروتا باليابان عام 2025.
حين رأيتهم يتنافسون بصلابة أمام دول لها تاريخ طويل في اللعبة، كدتُ أبكي فخراً؛ لم يكونوا مجرد لاعبين، كانوا عائلتي التي صنعتها الغربة.
هناك قصيدة عمرها 1600 عام، يرددها أعضاء النادي بحب، تقول: "مثل مياه النهر السريع التي تصطدم بالصخر فتتفرق.. أؤمن أننا وإن افترقنا الآن، سنلتقي حتماً في نهاية المجرى".
هذه القصيدة تلخص حكايتي في مصر؛ فبفضل الكاروتا، نشأت صداقات عميقة، وسافر طلابي معاً، وتلاقت أرواحنا كما يلتقي مجرى النهر بعد صراعه مع الصخور.
أعلم أن فترة عملي الرسمية ستنتهي وسأعود يوماً إلى اليابان، لكن قلبي سيظل هنا.
لا يهمني أن يظل اسمي محفوراً على الجدران، كل ما أتمناه هو أن يستمر الشباب المصريون في إدارة النادي بأنفسهم كل خميس، أن يظلوا "القادة" الذين ينقلون هذا الشغف للأجيال القادمة.
أمنيتي الصادقة هي أن أعود يوماً كزائر لمصر، لأجلس على تلك الحصائر، وألعب جولة "كاروتا" مع أصدقائي القدامى والجدد، تحت شمس مصر الدافئة."
هذه قصة يوسوكي ياما أوكا.. الرجل الذي لم يكتفِ بتعليم الحروف، بل زرع في قلب القاهرة إيقاع القصائد اليابانية القديمة، وجعل من "الكاروتا" لغةً للوصل بين حضارتين تفصل بينهما آلاف الأميال، لكن يجمعهما نهرُ الشغف الواحد.












